فصل: مسألة المرأة المحتاجة تصدق الصداق أترى أن تأكل منه بالمعروف:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة الرجل تكون له امرأتان فيكسو إحداهما الخز ويحليها ولا يعطي الأخرى:

وسئل مالك عن الرجل تكون له امرأتان فيكسو إحداهما الخز ويحليها ولا يعطي الأخرى؟ قال: إن لم يكن ميلا فلا بأس به، فإن الله يقول: {فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ} [النساء: 129].
قال محمد بن رشد: هذا هو المعروف من مذهب مالك وأصحابه أنه إذا أقام لكل واحدة من زوجاته ما يلزمه لها من المطعم والملبس على قدر حالها، لم يكن عليه حرج في أن يوسع على من شاء منهن بما شاء من ماله، إذ ليس عليه أن يعدل بينهن إلا في الكون معهن والمبيت عندهن، وذهب ابن نافع إلى أنه يجب عليه أن يعدل بينهن في ماله بعد أن يقيم لكل واحدة منهن ما يلزمه لها على قدر حالها، والأول أظهر، لقول الله عز وجل: {فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ} [النساء: 129] لأنها إنما تكون كالمعلقة إذا انفرد بغيرها دونها، لا إذا وسع عليها دونها أكثر من توسعته عليها.

.مسألة الرجل يتزوج المرأة على أنه إن خرج بها فأمرها بيدها:

وسئل مالك عن الرجل يتزوج المرأة على أنه إن خرج بها من بلدها أو غاب عنها سنة، فأمرها بيدها، فيريد بعض ذلك فيمنعه يمينه، وتحب المرأة رضاه فتقول: قد رددت عليك أمرك ووضعت عنك الشرط، قال مالك: إن أحب ذلك إلي ألا يكون إلا عندما يحب أن يفعل، فإن فعلت ذلك وأذنت له عندما يريد أن يفعل قبل أن يفعل، ثم فعل، فلا شيء عليه، وإن أرادت أن تقضي بعد ذلك في نفسها فلا شيء لها، وما تركت من ذلك جائز عليها.
قال محمد بن رشد: قد تقدم القول على هذه المسألة في أول رسم من هذا السماع، فلا معنى لإعادته، وسيأتي في رسم المحرم من هذا السماع، وفي رسم لم يدرك من سماع عيسى وغيره.

.مسألة المرأة يغيب عنها زوجها فيمرض أخوها أو أمها أو أختها فتريد أن تأتيهم:

ومن كتاب البز:
وسئل مالك عن المرأة يغيب عنها زوجها فيمرض أخوها أو أمها أو أختها فتريد أن تأتيهم تعودهم ولم يأذن لها زوجها حين خرج؟ قال: لا بأس أن تأتيهم وإن لم يأذن لها حين خرج.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال لأنه لو كان حاضرا فأراد أن يمنعها من ذلك لم يكن ذلك له، فليس على المرأة واجبا أن تستأذن زوجها إلا فيما له أن يمنعها منه.

.مسألة قليل البرص أترد منه المرأة:

وسئل عن قليل البرص أترد منه المرأة؟ قال: ما سمعت فيه إلا الحديث الذي جاء ما أحد فيه قليلا ولا كثيرا، قال: فقلت له: إن بعض الناس أخبرنا أنك لم تر أن ترد من قليله فأنكر، قال ابن القاسم: القليل من ذلك إذا تبين فأرى أن ترد بذلك لأني لو لم أردها وحبستها عليه ثم تفاحش ذلك أدخلت عليه ضررا وأوطيته من ذلك ما لا ينبغي، ولعله أن يتركها معلقة، وقد سمعت الناس يقولون: إنه يزداد، ولو كان من ذلك الشيء اليسير الذي يستيقن معرفة الناس أنه لا يزداد ما رددتها، ولكنه أمر لا يعرف، فلذلك رأيت أن ترد، وللمرأة على الرجل مثله.
قال محمد بن رشد: رأى مالك رَحِمَهُ اللَّهُ في رواية ابن القاسم هذه قليل البرص عيبا في النكاح وإن أمنت زيادته، فأوجب الرد به للرجل على المرأة وللمرأة على الرجل، ولم ير ابن القاسم أن ترد به المرأة إلا من أجل أنه لا يؤمن أن يزيد، فيلزم ذلك الزوج ولا يكون له منه خروج إلا بالطلاق، وقد يكون ذلك قبل الدخول فيلزمه نصف الصداق، وفي ذلك عليه ضرر، فلا يجب على مذهب ابن القاسم للمرأة أن ترد الرجل بقليل البرص وإن خشيت زيادته لأنه إن زاد وأضر بها فرق بينهما على مذهبه، وهو نص قوله في رسم نقدها من سماع عيسى، فلا حجة للمرأة عنده فيما يتوقع من زيادته، فقوله في آخر المسألة: وللمرأة على الرجل مثله، إنما هو من قول مالك لا من قول ابن القاسم، ولمالك في كتاب ابن المواز من رواية أشهب عنه أن الأبرص لا يفرق بينه وبين امرأته وإن غرها، يريد: في اليسير، خلاف قوله في هذه الرواية مثل مذهب ابن القاسم، وقد روى علي بن زياد عن مالك في الأبرص أنه لا يفرق بينه وبين امرأته وإن كان شديدا، قاله مالك في كتاب ابن المواز، يريد: إذا كان حادثا بعد العقد. فيتحصل القول في هذه المسألة أن الرجل إذا غر المرأة بالبرص يكون به من قبل العقد، فإن كان شديدا كان لها رده به باتفاق، وإن كان يسيرا كان لها رده به على اختلاف، وإذا حدث به بعد العقد، فإن كان يسيرا فلا يفرق بينهما باتفاق، وإن كان كثيرا فيفرق بينهما على اختلاف، وأما البرص بالمرأة فإن كان من قبل العقد كان للرجل ردها به إن كان كثيرا أو يسيرا لا تؤمن زيادته باتفاق، وإن كان يسيرا تؤمن زيادته فعلى اختلاف، وأما إن كان حادثا بها بعد العقد فمصيبة نزلت بالزوج إن شاء طلق وان شاء أمسك، ولزمه نصف الصداق قبل الدخول وجميعه بعد الدخول، وبالله التوفيق.

.مسألة الرجل تكون له الجارية الفاره فيريد أن يزوجها غلاما له:

وسئل مالك عن الرجل تكون له الجارية الفاره فيريد أن يزوجها غلاما له قيما له في ريعه على ضيعته، أو يكون أمينا يبعثه في حوائجه ويقاضيه، قال مالك: لا يجوز من ذلك ما كان ضررا، فأما ما كان على وجه الصلاح فلا أرى به بأسا، قد يكون الرجل يطلب نسل ذلك أو يصلح به غلامه، فإذا كان على هذا الوجه رأيت ذلك، فقيل له: فإنه ربما كان وغدا، وهو لا بأس به، ويكون أسود، قال: ليس ينظر في ذلك إلى الوغد في المنظر، فرب وغد المنظر تكون له الخبرة والحال، ولو كان في حاله لا بأس به رأيت ذلك له، فإنما أرى أن يرد من ذلك ما كان ضررا، وما لم يكن على وجه الضرر رأيت ذلك جائزا.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: إنه لا يجوز له أن يزوجها ممن لا يشبه أن تزوج منه من العبيد؛ لأن ذلك من الإضرار بها وقد نهى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الإضرار وقال: «من ضار أضر الله به».

.مسألة إنكار النكاح في نكاح اليتيمة قبل البلوغ:

وسئل مالك عن جارية بنت عشر سنين زوجها أخوها وأمها ابن عم لها وأقام زوجها معهم يحوز مال امرأته ويقوم فيه، ثم ماتت الأم فطلب الزوج الدخول بالجارية فقال الأخ: لا زوجة لك، قال الزوج: لم؟ فقال: لم تكن أختي رضيت ولا أعلمناها، وأنكرت الجارية، قال: فإن قامت له بينة على رضاها وإلا حلفت الجارية وأخوها على ذلك، وكان القول قولهما وفرق بينهما.
قال محمد بن رشد: أجاز مالك في هذه المسألة نكاح اليتيمة قبل البلوغ إذا أقرت بالرضى أو كانت على ذلك بينة، وأمضاه قبل البناء، وإن كانت زوجت لغير حاجة، وقد مضى ما في ذلك من الاختلاف في رسم شك في طوافه، وإيجابه اليمين عليهما إنما هو رجاء أن تقر بالنكاح فإن حلفت سقط عنها النكاح، وإن نكلت عن اليمين لم يلزمها النكاح، وهو قول مالك في المبسوط، ومعناه: إذا كانت قد بلغت. وقد قيل: إنه لا يمين عليها لأنها إن نكلت عن اليمين لم يلزمها النكاح، حكى ابن حبيب القولين جميعا، وفي رواية يحيى أنها إن نكلت لزمها النكاح، يريد بعد يمين الزوج إن كان حقق الدعوى عليها إذا كان ثم سبب يدل على علمها، من كون الصنيع في دارها وما أشبه ذلك، وأما إيجابه اليمين على الأخ فلا وجه له في هذه المسألة لأنه مقر بالتزويج، وإنما يدعي أنه لم يعلم أخته، وإنما يتصور أن يحلفا جميعا على القول في إيجاب اليمين في النكاح إذا أنكر هو التزويج وأنكرت هي الرضى، فإن حلفا أو حلف أحدهما سقط النكاح، وإن نكلا لم يلزمهما النكاح؛ لأنهما إنما حلفا رجاء أن يقرا فيثبت النكاح بإقرارهما، وبالله التوفيق.

.مسألة جارية أنكحها أخوها ثم مات الزوج قبل أن يدخل بها:

وروى أشهب وابن نافع قالا: سئل مالك عن جارية أنكحها أخوها ثم مات الزوج قبل أن يدخل بها فقال الورثة: أقيموا البينة أنها قد كانت رضيت، قال: تسأل إن كانت رضيت، فإن قالت: نعم، قيل له: أتسأل هي؟ فقال: نعم.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن الورثة مدعون عليها أنها لم ترض فالقول قولها إنها كانت رضيت مع يمينها، فإن نكلت عن اليمين حلف الورثة أنها لم ترض ولم يكن لها ميراث، وهذا إن كانوا حققوا الدعوى عليها أنها لم ترض، وإن كانوا لم يحققوا الدعوى عليها بذلك فقد اختلف في وجوب اليمين عليها وفي وجوب ردها إذا وجبت عليها فنكلت عنها.

.مسألة رجل تزوج أمة فولدت منه ثم أعتق سيد الأمة ولدها منه:

ومن كتاب أوله باع غلاما بعشرين دينارا:
قال: وسئل مالك عن رجل تزوج أمة فولدت منه ثم أعتق سيد الأمة ولدها منه، قال: أرى رضاعة ابنه عليه.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأنه إذا أعتقه سقط ملكه عنه ووجب على أبيه أن يسترضع له وينفق عليه، ولو صح لم يكن له أب لما سقط بعتقه إياه ما كان يلزمه من إرضاعه ونفقته إلى أن يبلغ؛ لأن من أعتق صغيرا ليس له من ينفق عليه، فنفقته عليه لأنه يتهم أن يكون إنما أعتقه ليسقط عن نفسه نفقته، وبالله التوفيق.

.مسألة السيد لا يريد أن يزوج عبده ويهب له جارية ليعفه:

قال: وسألت مالكا عن العبد الأسود يكون للرجل مخارجا في السوق، فيريد أن يعفه ولا يريد أن يزوجه خوفا من أن يحدث حدثا أو يأبق، فيريد أن يهب له الجارية يعفه بها، قال: ليس هذا وجه الهبة لمثل هذا، وإنما هذا أراد أن يحللها له، ولولا ذلك ما وهبها له، وإنما الهبة للعبد التاجر الذي مثله يوهب له، ويكون مثلها لمثله، فأما هذا فليس بهبة إنما هذا على وجه التحليل له، ولا يعجبني هذا، ولا أرى أن يعمل به.
قال محمد بن رشد: وهذا بيّن على ما قال: إنه إذا وهبه الجارية وهو لا يشبه أن يوهب له مثلها، فإنما قصد إلى تحليلها له، فلا يجوز لأحد أن يفعله، وقد تكررت المسألة أكمل مما وقعت ها هنا في رسم الطلاق الثاني من سماع أشهب، والحمد لله.

.مسألة زواج الرجل المرأة على متاع زوجته الأولى خالتها بعد هلاكها:

وسئل عن رجل تزوج امرأة وأصدقها ثلاثين دينارا وقد كانت تحته خالتها فهلكت، فقال له أبوها: اشتر لها خادما من صداقها، فقال: عندي خادم، فقال له: فاشتر لها متاعا في بيتها، فقال: هذا بيت خالتها- يعني المتاع- فدخلت في متاعها ثم هلك، قال مالك: أرى أن يقام ذلك المتاع، فإن كان فيه فضل كان للمرأة لأنه قد رضي أن يعطيها إياه، وإن كان أقل من القيمة اتبعته بما بقي.
قال محمد بن رشد: وهذا على ما قال؛ لأنه قد تبين بإدخالها على متاع خالتها بعد قوله لأبيها: هذا بيت خالتها، جوابا عن سؤاله أن يشتري لها متاعا بصداقها، أنه قد رضي أن يعطيها ذلك المتاع في الثلاثين التي أصدقها، فإن كانت قيمته أكثر من الثلاثين فهو لها، وإن كانت قيمته أقل من الثلاثين كان عليه تمام الثلاثين، وقوله: وإن كان أقل من القيمة، يريد وإن كان أقل من الثلاثين، وبالله التوفيق.

.مسألة المرأة الصالحة هي للرجل دنيا وآخرة:

قال مالك: بلغني أن لقمان قال لابنه: يا بني لتكن أول ما تفيد من الدنيا بعد خليل صالح امرأة صالحة.
قال محمد بن رشد: هذه وصية جيدة مفيدة، وحكمة بالغة عظيمة، لأن النساء من أجل ما زين للناس من شهوات الدنيا، قال تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ} [آل عمران: 14] الآية، فالمرأة الصالحة هي للرجل دنيا وآخرة لأنه يستعف بها ويستمتع منها ويؤجر على القيام عليها، والخليل الصالح يحمل خليله على الخير ويحمله على الطاعة، ويريد مراشده في أموره، فمنفعته أعم من منفعة المرأة، إذ من الناس من يستغني عن المرأة ولا يحتاج إليها، ولذلك قدمه عليها.

.مسألة الرجل يقدم من السفر فتتلقاه ابنته أو أخته أتقبله:

وسئل عن الرجل يقدم من السفر فتتلقاه ابنته أو أخته أتقبله؟ قال: لا بأس بذلك.
قال محمد بن رشد: إنما خفف ذلك لأن المقصد فيه الحنان والرحمة لا ابتغاء اللذة إذ ليستا ممن ينبغي ذلك فيهما، والأحسن أن لا يفعل ذلك مخافة أن يتلذذ بذلك وإن لم يقصد إلى الالتذاذ به، ولا وضوء عليه في ذلك، قاله في أول سماع أشهب من كتاب الوضوء، والله الموفق.

.مسألة يتزوج الأمة فيقال له طلقها على أن أكتب لك مائة دينار في نكاح أخرى:

وسئل عن الرجل الخير يتزوج الأمة، ثم إن الرجل من أهله أنف من ذلك فقال له: طلقها وأنا أكتب لك علي كتابا بمائة دينار في نكاح امرأة إذا بدا لك أن تتزوجها، فطلقها وكتب عليه كتابا وأقام نحوا من ثلاثة أعوام لا يتزوج، ثم إن الجارية أعتقت وتزوجت رجلا فطلقها زوجها فارتجعها الزوج الأول وقد مات الذي ضمن المال، أيكون ذلك في ماله؟ فقال مالك: قد تقادم ذلك، فلا أرى له حقا في ماله، ولا أرى لك أن تدخل في مثل هذا.
قال محمد بن رشد: في قوله: قد تقادم ذلك، فلا أرى له حقا في ماله، دليل على أنه لو لم يتقادم لوجب له ذلك في ماله، وإنما أوجب له ذلك في ماله إذا تزوج بالقرب، ولم ير ذلك هبة تبطل بالموت لأنه أعطاه ذلك على شرط الطلاق، فصار ثمنا للطلاق يجب له بعد الموت، ويحاص الغرماء به في الموت والفلس. وفي العشرة ليحيى بن يحيى أنه لا شيء له في ماله بعد الوفاة، فرآها كالعطية على غير عوض، وعلى هذا اختلفوا في الرجل يعطي امرأته النصرانية داره على أن تسلم، فتسلم، هل هي ثمن لإسلامها فلا يحتاج فيها إلى حيازة؟ أو عطية تفتقر إلى حيازة؟ وحكى ابن حبيب في ذلك القولين.
ومن هذا المعنى المسألة الواقعة في رسم أخذ يشرب خمرا من سماع ابن القاسم من كتاب الصدقات والهبات، قوله: احلف لي أنك لم تشتمني ولك كذا وكذا، فيدخل فيه القولان، ورأى ذلك ابن الماجشون جعلا على ما لا منفعة فيه للجاعل فاحتج به لمذهبه في جواز ذلك، والصواب أن له فيه منفعة وهي تطييب نفسه من جهته فلا حجة له في ذلك، وكان الأظهر في مسألة الكتاب أن تجب له المائة، تقادم الأمر أو لم يتقادم، لقوله فيها: إذا بدا لك؛ لأن إذا ظرف لما يأتي من الزمان. ولو علق العطية بالتزويج دون الطلاق فقال له: إن تزوجت فلك داري الفلانية، أو: فلك قبلي كذا وكذا، لكان ذلك أمرا لازما له في الحياة والموت، لا يحتاج فيه إلى حيازة باتفاق إن تزوج بالقرب على هذه الرواية، ولو قال له: إن تزوجت فأنا أعطيك كذا وكذا، لكانت عدة على سبب يجري على الاختلاف في ذلك، وبالله التوفيق.

.مسألة العبد يكون بيده المال لسيده فيقول له اشتر جارية لنفسك تطؤها:

وسئل عن الذي يكون له العبد ويكون بيده المال لسيده فيقول له: اشتر جارية من المال الذي في يديك لنفسك تطؤها، قال مالك: لا يصلح هذا إلا أن يهب له المال قبل ذلك.
قال محمد بن رشد: قال ههنا: إلا أن يهب له المال قبل ذلك، وقال في رسم الطلاق الأول من سماع أشهب: إلا أن يسلفه الثمن قبل ذلك، وذلك سواء، يحل له وطء الجارية بأي الوجهين كان، لأن الجارية تصير ملكا له إذا اشترها بماله الذي وهب له سيده أو أسلفه إياه، وأما إذا اشتراها بمال السيد فلا يصلح له وطؤها وإن قال له: اشترها لنفسك تطؤها؛ لأن قوله: اشترها لنفسك تطؤها، بمنزلة قوله: اشترها لتكون لك للوطء، فهي باقية على ملكه حتى يهبها له بعد الشراء هبة صحيحة.

.مسألة أمة زوجها سيدها ثم طلقها زوجها فوطئها سيدها في العدة:

قال مالك في أمة زوجها سيدها ثم طلقها زوجها فوطئها سيدها في عدة من طلاق أو وفاة، قال: لا أرى لسيدها أن يطأها بعد أن تحل أبدا مثل النكاح.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال، إذ لا فرق عندهم في الوطء في العدة بين أن يطأ فيها بنكاح أو بشبهة نكاح أو بملك أو بشبهة ملك فيما يوجب ذلك من التحريم، وإنما اختلفوا في الوطء بنكاح أو بشبهة نكاح في استبراء من أي وجه كان أو في عدة من غير نكاح كعدة أم الولد يتوفى عنها سيدها أو يعتقها، وبالله التوفيق.

.مسألة الأمة يكون نصفها حرا أيزوجها من له فيها الرق بغير رضاها:

ومن كتاب مساجد القبائل:
وسئل مالك عن الأمة يكون نصفها حرا أيزوجها من له فيها الرق بغير رضاها؟ قال لا يزوجها بغير رضاها ولا تتزوج إلا برضاه، لا تزويج لها إلا باجتماع منهما على الرضى، فإن أعتق ما بقي منها كان لها الخيار.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة لا اختلاف أعلمه في أن المعتق بعضها ليس للذي فيها الرق أن يجبرها على النكاح ولا في أنها إذا عتق ما بقي منها وهي تحت عبد أن لها الخيار، لأن العلة عند مالك في تخيير الأمة إذا عتقت كون زوجها ناقصا عن مرتبتها، ولذلك لا تخير عنده إذا عتقت تحت حر، ويأتي على قول أهل العراق، والذين يقولون إنها تخير إذا أعتقت كان زوجها حرا أو عبدا أو يرون العلة في تخييرها ما كان لسيدها قبل أن تعتق من جبرها على النكاح أن لا يكون لها خيار إذا أعتق ما بقي منها كانت تحت حر أو عبد إذ لم يكن لسيدها أن يجبرها على النكاح من أجل أن بعضها حر وهو بعيد.

.مسألة يتزوج المرأة وتشترط عليه أن كل امرأة ينكحها عليها طالق البتة:

وسئل مالك عن الرجل يتزوج المرأة وتشترط عليه عند نكاحه إياها أن كل امرأة ينكحها عليها طالق البتة، فإن لم يطلق فأمر امرأته التي عنده بيدها، قال: أرى ذلك له، فقيل له: فإنه قيل له: إنك قد قلت: هي طالق البتة، ولا ينفعك الذي قلت، وإن لم تطلق فأمرها بيدها، قال: أرى ذلك له، لأنه إنما تزوج على ذلك، فقيل له: كأنك إنما رأيت أنه عقد الأول بالآخر، فقال: نعم، أرى ذلك بيدها إن شاءت أقامت وإن شاءت اختارت نفسها.
قال محمد بن رشد: تكررت هذه المسألة في رسم إن خرجت من سماع عيسى، وقول مالك فيها: إن قوله: فإن لم يطلق فأمر امرأته التي عنده بيدها، ينفعه ويكون له صحيح. وما قيل له من أنه قيل للحالف: إن ذلك لا ينفعه، بعد أن قال: إنها طالق البتة، لا يصح بوجه من الوجوه، إذ لا يلزمه باللفظ طلاق لأنه مقيد بالتزويج، فلما كان لا يلزمه باللفظ طلاق لم يصح أن يعد قوله بعد ذلك، فإن لم يطلق فأمر امرأته بيدها ندما منه، وكان أول كلامه مرتبطا بآخره باتفاق، فلا يدخل في هذه المسألة من الاختلاف ما يدخل في المسائل التي يتهم الرجل فيها بالندم إرادة أن يسقط عن نفسه ما قد لزمه بالقول، من ذلك قول الرجل لامرأته: أنت طالق البتة إن أذنت لك أمك، على ما وقع في رسم كتب عليه من سماع ابن القاسم من كتاب الأيمان بالطلاق، وقوله: لفلان علي كذا وكذا، وعلى فلان وفلان وما أشبه ذلك من المسائل، وهي أكثر من أن تحصى عددا.

.مسألة سلطة السلطان في تزويج ولدا صغارا قد كبروا:

وسئل مالك عن أقوام تضرب عليهم البعوث إلى إفريقية وما خلف ذلك والأندلس، فيترك بعضهم ولدا صغارا، أو تكون له بنت صغيرة فتكبر وهي بكر، فتخطب ويرفع ذلك إلى السلطان، أترى للسلطان أن يزوجها؟ قال: نعم.
قال محمد بن رشد: مغيب الرجل عن ابنته البكر ينقسم على ثلاثة أقسام: أحدها أن تكون غيبته قريبة، والثاني أن تكون غيبته بعيدة منقطعة، والثالث أن يكون أسيرا أو فقيرا، فأما إذا كانت غيبته قريبة لعشرة أيام وما أشبه ذلك، فلا اختلاف في أنها لا تزوج في مغيبه، فإن زوجت في مغيبه فسخ النكاح، زوجها الولي أو السلطان، قاله ابن حبيب في الواضحة، وأما إذا كانت غيبته بعيدة منقطعة مثل إفريقية أو طنجة أو الأندلس من مصر وما أشبه ذلك، فاختلف في ذلك على أربعة أقوال: أحدها أن الإمام يزوجها إذا دعيت إلى ذلك، وإن كانت نفقته جارية عليها ولم يخف عليها ولا استوطن البلد الذي هو به، وهو ظاهر قول مالك في هذه الرواية وفي المدونة، وقد تؤول على ما في المدونة من قوله فيها: وأما من خرج تاجرا وليس يريد المقام بتلك البلاد فلا يهجم السلطان على ابنته أنها لا تزوج، إلا أن يستوطن ذلك البلد وهو القول الثاني، والقول الثالث أنها لا تزوج إلا أن يستوطن ذلك البلد ويطول مقامه فيه العشرين سنة والثلاثين حتى يؤيس من رجعته، وهو قول ابن حبيب في الواضحة، والرابع أنها لا تزوج أبدا وإن طال مقامه، وهو ظاهر قول مالك في كتاب ابن المواز وقول ابن وهب في رسم الأقضية من سماع يحيى لأنه قال فيه: وإن كان الأب يجري لها النفقة ولا يزال يتفقدها بما يصلحها حتى يؤمن عليها الضيعة، فلا يجوز للإمام ولا غيره أن يفتات على أبيها بإنكاحها، والاختلاف بينهم إذا قطع الأب عنها النفقة في مغيبه هذا، وخشيت عليها الضيعة في أنها تزوج، وإن كان ذلك قبل البلوغ، وإنما اختلفوا هل يزوجها ها هنا الولي دون السلطان أم لا؟ فالمشهور أنه لا يزوجها إلا السلطان لأنه حكم على غائب برضاها، وقال ابن وهب في سماع يحيى ومثله في كتاب ابن المواز: الولي يزوجها برضاها، والوجه في ذلك أن ولايته قد سقطت عنها بتضييعه لها ومغيبه عنها، فكان كالميت، فالقول بأن الإمام يزوجها في بعد غيبة أبيها وإن كانت نفقته جارية عليها، جار على القول بأنه ليس له أن يعضلها عن النكاح، فإن زوجها الولي مضى النكاح ولم يفسخ، والقول بأنها لا تزوج في بعد غيبته عنها إذا كانت نفقته جارية عليها جار على القول بأن له أن يفصلها عن النكاح، وإلى هذا ينحو قول ابن حبيب، وأما الاعتبار بالاستيطان فلا وجه له، وأما إذا كان أسيرا أو فقيرا فلا اختلاف في أن الإمام يزوجها إذا دعت إلى ذلك وإن كانت في نفقته وأمنت عليها الضيعة، وبالله التوفيق.

.مسألة الرجل ينكح فيلزمه أهل المرأة بهدية العرس:

وسئل مالك عن الرجل ينكح فيلزمه أهل المرأة بهدية العرس، وذلك عندنا الذي يعمل به الناس، حتى إنه ليكون في ذلك الخصومة، أترى أن يقضى به؟ قال: إذا كان قد عرف من شأنهم وهو عملهم لم أر أن يطرح ذلك عنهم إلا أن يتقدم فيه السلطان؛ لأني أراه أمرا قد جروا عليه، قال ابن القاسم في كتاب عيسى: وقد قال مالك قبل ذلك: لا أرى أن يقضى به، وهو أحب قوله إلي، قال ابن القاسم: ومما يبين ذلك أنه لو مات أو ماتت أكان لها فيه شيء؟ فهذا يدلك أنه لا يقضى به، كان ذلك قد عرف من شأنهم وهو عملهم أو لم يكن.
قال محمد بن رشد: قال ها هنا: هدية العرس، وقال في رسم لم يدرك من سماع عيسى: نفقة العرس، وذلك سواء، لأن مراده بنفقة العرس هدية العرس، وهو ما جرى العرف بأن الأزواج يهدونه عند الأعراس، وقد كان بعض الشيوخ يذهب إلى أن المراد بهدية العرس الذي اختلف قول مالك في وجوب القضاء بها على الزوج وليمة العرس، ويتعلق بقوله في سماع عيسى نفقة العرس، وذلك غير صحيح؛ لأن الوليمة على مذهب مالك وأصحابه وجماعة أهل العلم سواء أهل الظاهر مرغب فيها ومندوب إليها لقول النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ لعبد الرحمن بن عوف: «أولم ولو بشاة» فذلك واجب على الزوج وجوب السنن لا يقضى بها عليه ولا حق فيها للزوجة، ومما يدل على أن المراد بذلك الهدية التي تهدى إلى الزوجة لا الوليمة التي يصنعها الزوج للناس وإن كان ذلك أبين من أن يحتاج إلى الاستدلال عليه، قوله في الرواية: لم أر أن يطرح ذلك عنهم إلا أن يتقدم فيه السلطان، ولا يجوز أن يتقدم السلطان في الوليمة، فيكون قد نهى عما أمر رسول الله به صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقال فيه: إنه حق، فقد روي عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه «قال في الوليمة: اليوم الأول حق والثاني معروف والثالث سمعة» وتقدمه في هدية العرس هو أن يعهد إلى الناس أنه لا هدية لمن تزوجت على زوجها إلا أن تشترطها عليه، وقد كان القياس على القول بوجوب القضاء بها إذا حكم للعرف بحكم الشرط أن يكون حكمها حكم الصداق فيجب عليه نصفها بالطلاق وجميعها بالدخول أو الموت، فإن مات أخذ ذلك من ماله، وإن ماتت هي وجب ذلك لورثتها، إلا أن مالكا لم يحكم لها بحكم الصداق ولا حكم لها بحكم الهبة إذ أبطلها بالطلاق أو بموت من مات منهما على ما قاله في سماع عيسى، وعلى ما احتج به ابن القاسم ها هنا لتضعيف القضاء بها، ووجه ما ذهب إليه مالك أنه حكم بها بحكم الصلة التي يراد بها عين الموصول، فعلى هذا يأتي جوابه في وجوب القضاء بها، وأما ابن حبيب فحكم لها بحكم الصداق فقال: إنه يقضى بها ويرجع إن طلق بنصفها إلا أن تفوت فلا يكون له شيء، يريد فاتت بتلف أو إنفاق أو استمتاع على أهله فيما استمتعت به المرأة من الصداق قبل الطلاق إذا طلق قبل البناء، وقد ذكرنا ذلك عنه في آخر رسم شك. قال: وأما هدية الإملاك فلا يقضى بها ولا يكون له منها شيء في الطلاق وإن أدركها قائمة، ولا فرق بينهما إلا من جهة العرف، فلو انتقل العرف لانتقل الحكم بانتقاله، وبالله التوفيق.

.مسألة يبتاع للنساء اللاتي يتزوجن الرجال الإماء ولا يشترى لهن العبيد:

ومن كتاب أوله مرض وله أم ولد فحاضت:
قال مالك: الأمر عندنا أنه يبتاع للنساء اللاتي يتزوجن الرجال الإماء، ولا يشترى لهن العبيد وأنه ليس في قيمة الرقيق، هكذا سنة مضت إلا ما جرى عليه عمل الناس على نحو ما وصفت لك.
قال محمد بن رشد: يريد: إذا وقع النكاح على كذا وكذا رأسا من الرقيق، ولم يذكر ذكورا ولا إناثا، فيشتري لها الإناث لأنه العرف، وقوله: ليس في قيمة الرقيق سنة مضت، يريد: ليس في ذلك عرف يرجع إليه فيكون لها الوسط من رقيق البلد، إن حمران فحمران، وإن سودان فسودان، على ما مضى في أول رسم من هذا السماع. ولو سمي في ذلك ثمن لم يلتفت إلى الوسط من ذلك، وكانت المرأة بالخيار إن شاءت أخذته بالأرؤس على تلك التسمية، وإن شاءت أخذته بالتسمية من الثمن وتركت الرأس أو الأرؤس، إلا أن يحضر بالأرؤس على التسمية قبل أن يختار التسمية فلا يكون لها أن تختار التسمية وتدعها لأنه كمن وكل رجلا على شراء شيء فاشتراه، فليس لمن وكله أن يأبى من قبول ذلك منه، وما لم يشتره فله أن يأباه ويرجع إلى رأس ماله فيأخذه منه، وإن طلقها قبل الدخول فلها نصف التسمية من الثمن ولا يجبر الزوج على أن يأتي برأس تلك التسمية فيكون بينهما، قاله ابن حبيب في الواضحة وعزاه إلى مالك وأصحابه، قال: ولم أعلمهم اختلفوا فيه إلا ما كان من أصبغ في المرأة الدنية يسمى لها في الثياب ثمن رفيع.

.مسألة المرأة المحتاجة تصدق الصداق أترى أن تأكل منه بالمعروف:

ومن كتاب أوله نذر سنة يصومها:
وسئل مالك عن المرأة المحتاجة تصدق الصداق أترى أن تأكل منه بالمعروف؟ قال نعم.
قال محمد بن رشد: أباح لها أن تأكل من صداقها بالمعروف، والمعروف هو قدر ما يكفيها بدليل «قول رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لهند: خذي يا هند ما يكفيك وولدك بالمعروف» وإنما أباح ذلك لها وإن كان من مذهبه أن عليها أن تتجهز إلى زوجها بصداقها، من أجل حاجتها إلى ذلك مراعاة لقول من يقول: هو مالها وليس عليها أن تتجهز بشيء منه إلى زوجها، ولا حق له فيه، ولو طلقها قبل البناء وقد استنفد الإنفاق جميع ما كان أصدقها لوجب أن يتبعها بنصفه على القول بأن النفقة لا تجب عليه إلا بالدخول، وقد مضى هذا المعنى في رسم شك في طوافه قبل هذا فقف عليه، وبالله التوفيق.